الشيخ محمد آصف المحسني

22

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

زوجته وأطفاله ونومه ونحو ذلك ، فإنّ متابعته في أمثال ذلك غير لازمة قطعاً . وبالجملة : لا دليل على وجوب متابعة الأمم لأنبيائهم في أفعالهم ، وعلى فرض وجوده فهو محمول على الأفعال الجائزة قطعاً . فهذا الدليل أيضاً لا يفيد ، مع أنه لو تمّ لدلّ على عدم صدور الحرام أو ترك الواجب عنهم ( عليهم السلام ) عمداً وجهاراً بمحضر من الناس بعد النبوة وهو أخص من دعوانا ، بل هو ليس من العصمة بشيء كما لا يخفى . 5 - لو صدر عنه ذنب لوجب منعه وزجره ؛ لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكنه حرام لاستلزامه إيذائه المحرم بالاجماع ؛ ولقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) « 1 » . أقول : مفاده عدم وقوع الذنب من النبي بعد نبوته عمداً وجهاراً بمحضر من الناس ، لا قبلها أو بعدها سهواً أو نسياناً أو خفاءً ، وهذا كما ترى أجنبي عن العصمة ، فهذا كالوجه السابق لا يرتبط بالمدعى مع أنه غير تام في نفسه أيضاً ، لنقضه بالمؤمن فإن إيذاءه أيضاً حرام فتأمبل « 2 » وحلّه بتخصيص حرمة الإيذاء بغير صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانصرافها عنهما كما هو الصحيح . والحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستلزمان أذية النبي فإنه يرتدع بأول مراتب الأمر والنهي المذكورين ، وإنما الموجب للأذية بعض مراتبهما ، إن وجب . 6 - لو صدر عنهم الذنب لزم كونهم أقل درجة من عصاة الأمة ، فإن درجاتهم في غاية الرفعة والجلالة ، ونعم الله سبحانه عليهم - بالاصطفاء على الناس ، وجعلهم أمناء على وحيه ، وخلفاء في عباده وبلاده وغير ذلك - أتم وأبلغ ، فارتكابهم المعاصي والاعراض عن أوامر ربهم ونواهيه لللذة الفانية أفحش وأشنع من عصيان هؤلاء ، ولا يلتزمه متدين . أقول : مفاده عصمتهم ( عليهم السلام ) من الصغائر والكبائر بعد النبوة جهراً وسراً بنحو التعمّد ، لا قبلها ، ولا بعدها سهوا . ويمكن أن يورد عليه بأن هذا البيان إنما يتمّ إذا فرض كثرة معاصيهم وعدم مبالاتهم بها ، وأمّا إذا فرض صدور شيء عنهم مسبوقاً بالتوبة والإنابة محفوفاً بالعبادات الكثيرة وبالمصاعب الواردة عليهم من ترويج الدين وإصلاح حال الضالين فلا يلزم ما ذكر ، وليس عدم العصمة ملازماً للمرتبة الأولى كما هو أوضح من أن يخفى . ونظير ذلك صدور الذنب عن العلماء العظام والصلحاء في بعض الأوقات ؛ حيث يتوبون إلى الله ويتضرّعون ويتداركونه بالأعمال الكثيرة ،

--> ( 1 ) - الأحزاب 33 / 57 . ( 2 ) - وجه التأمل أن حرمة ايذاء المؤمنين في القرآن مقيدة بغير ما اكتسبوا .